مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
32
تفسير مقتنيات الدرر
روي أنّ زينب أقبلت على عائشة فشتمها فنهاها النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله عنها فلم تنته فقال : النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله لعائشة : دونك فانتصري . ثمّ إنّه تعالى لم يرغب في الانتصار بل بيّن أنّه مشروع فقط ثمّ بيّن بعده أنّ شرعه مشروط برعاية المماثلة ثمّ بيّن أنّ العفو أولى بقوله : فمن عفى . قوله : * ( [ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ] ) * أي إنّ جزاء سيّئة مثلها فإنّ الأفعال مستتبعة بأجزيتها حتما نحن زوّجنا الفعال بالجزاء فقيّد سبحانه إنّ الانتصار لا بدّ وأن يكون مقيّدا بالمثل فإنّ النقصان حيف والزيادة ظلم والتساوي عدل وبه قامت السماوات والأرض . فإن قيل : إنّ جزاء السيّئة مشروع مأذون فيه فكيف سمّي بالسيّئة ؟ أجاب صاحب الكشّاف عنه أنّ كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيّئة لأنّها تسوء من ينزل به قال اللَّه : « وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِه ِ مِنْ عِنْدِكَ » « 1 » يريد ما يسوؤهم من المصائب والبلايا . وأجاب غيره بأنّه لمّا جعل أحدهما في مقابلة الأخرى أطلق اسم أحدهما على الآخر على سبيل المجاز . وهذه الآية أصل كبير في علم الفقه فإنّ مقتضاها أن يقابل كلّ جناية بمثلها وقد تأكّد هذا النصّ بنصوص أخر مثل قوله : « وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ » « 2 » وقوله : « مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها » « 3 » وقوله تعالى : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى » « 4 » . والقصاص عبارة عن المساواة والمماثلة وقوله : « وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ » فوجب رعاية المماثلة مطلقا إلَّا فيما لا يمكن المماثلة أو خصّه الدليل المنفصل : والتخصيص يقع في صور كثيرة مثلا إذا قال له : أخزاك اللَّه فليقل مثله أخزاك اللَّه أمّا إذا قذفه قذفا يوجب الحدّ
--> ( 1 ) النساء : 78 . ( 2 ) النحل : 126 . ( 3 ) المؤمن : 40 . ( 4 ) البقرة : 178 .